في قلب إسطنبول، وفي يوم 28 شباط 2025، حيث تتقاطع الرؤى وتتلاقى الأفكار، شهدت قاعة مركز البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية (SETA) واحدة من أبرز النقاشات الاستراتيجية حول مستقبل سوريا في مرحلة ما بعد الثورة.
ورشة العمل، التي حملت عنوان “مستقبل الإدارة الجديدة في سوريا”، جاءت بتنظيم مشترك بين منبر منظمات المجتمع المدني (ULFED) ومؤسسة SETA، وجمعت نخبة من الخبراء والمحللين لمناقشة التحديات الكبرى التي تواجه الإدارة الجديدة في سوريا، بعد التحولات الجذرية التي شهدتها البلاد في أعقاب تحرير سوريا في كانون الأول 2024.
كان هذا اللقاء الفكري المكثف، الذي انعقد في المقر الرئيسي لـ SETA بإسطنبول، استشرافًا لواقع يتشكل، ورسمًا لملامح إدارة تحاول النهوض وسط تعقيدات سياسية واقتصادية وأمنية.
سوريا بين التهديدات وفرص إعادة البناء
بهدوء الباحث المتمعن، وبقلق السياسي المدرك لحجم المخاطر، طرح المشاركون السؤال الجوهري: ما هي التهديدات الداخلية والخارجية التي تواجه سوريا اليوم؟
سؤال لا يقبل أي إجابة، في بلد تحيط به الأزمات كطوق من نار؛ أمنٌ هشّ، واقتصاد يترنح بين العقوبات والتحديات الهيكلية، ونسيج اجتماعي يعاني التمزق تحت وطأة سنوات الحرب.
التحديات الأمنية: لا تزال بقايا النظام وفلوله المسلحة تشكل تهديدًا لاستقرار البلد، في ظل استمرار نشاط الخلايا المسلحة ومحاولاتها تقويض الجهود الأمنية. إلى جانب ذلك، فإن حالة عدم الاستقرار الحدودي، لا سيما مع إسرائيل.
العقوبات الاقتصادية والضغوط المالية: رغم تشكيل الحكومة الجديدة، فإن سوريا لا تزال تواجه حصارًا اقتصاديًا خانقًا، إذ لم تُرفع العقوبات الدولية، مما يضع تحديات كبرى أمام إعادة الإعمار، ويؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، في ظل ندرة الموارد وانخفاض القدرة الشرائية.
التحديات الاجتماعية وإعادة بناء الثقة: تعاني سوريا من تصدع اجتماعي عميق، حيث تتشابك الولاءات السياسية والعرقية والطائفية في نسيج معقد يتطلب استراتيجية مصالحة وطنية شاملة. هذا بالإضافة إلى أزمة النزوح الداخلي واللاجئين، التي تفرض تحديات على سياسات الاستقرار والدمج الاجتماعي.
لم تكن الإجابات التي طُرحت في الورشة مجرد توصيف للوضع الراهن، بل سعت إلى تقديم رؤية استشرافية وآليات واقعية للتحصين ضد هذه المخاطر، لأن المستقبل لا يُبنى بالتمني، بل بالتخطيط المدروس واتخاذ قرارات حاسمة.
تحقيق الاستقرار والتنمية: بين التحديات والفرص
أما المحور الآخر الذي ناقشته الورشة، فكان لا يقل أهمية: كيف يمكن تحقيق الاستقرار والتنمية في المرحلة الانتقالية؟
هنا برزت الحاجة إلى حوكمة رشيدة قادرة على إدارة التناقضات، عبر بناء نظام إداري يوازن بين الحاجة إلى الاستقرار ومتطلبات التغيير، وبين ضرورات الأمن واستحقاقات التنمية.
منبر منظمات المجتمع المدني: رؤية شراكة ومسؤولية
لم يكن حضور منبر منظمات المجتمع المدني (ULFED) في هذا النقاش مجرد مشاركة رمزية، بل كان امتدادًا لدوره الفاعل في بناء مساحات للحوار بين الفاعلين السياسيين والمجتمعيين، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن المجتمع المدني ليس شاهدًا على الأحداث، بل طرفًا في صياغتها. فبغير دور مجتمعي حقيقي، تبقى أي مشاريع استقرار مجرد نظريات على الورق.
ما بعد الورشة: نحو خريطة طريق جديدة
إن الاستقرار لا يتحقق بالخطب الرنانة، والتنمية ليست شعاراتٍ تعلق على الجدران، بل هي عملية شاقة تتطلب رؤى متكاملة وإرادة حقيقية، وهذا ما سعت الورشة إلى بلورته. فمن إسطنبول، انطلقت نقاشات تحمل في طياتها مسؤولية كبرى: كيف يمكن بناء سوريا جديدة، لا تقوم على أنقاض الماضي، بل على أسس صلبة تليق بتضحيات شعبها؟
ربما لا تكفي ورشة واحدة للإجابة على هذه التساؤلات، لكن ما تحقق هنا هو خطوة أخرى في رحلة طويلة، حيث الحوار هو السبيل، والشراكة هي المفتاح، والمستقبل… لا يزال قيد التشكيل.